الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

19

سر الوجود

استقراره الظاهري دون أدنى مساس بعمقه المستقر تماماً . والمفروغ منه أنّ أولئك العلماء الذين يعيشون الاطمئنان الروحي الذي يدعونا إلى التعجب والذهول لديهم تصور واضح عن الإجابة على هذه التساؤلات حتى بلغوا هذه المرحلة من السكينة والاطمئنان ، فروحهم كالبحار العميقة التي لا سبيل إلى العواصف لهز أعماقها والعبث بها ( إلّا أنّ ذلك يبدو متعذراً على الأفراد الضحلين في بداية السلوك ) . لقد آمنوا بأنّ خلق هذا العالم ليس اعتباطاً ؛ حيث تفيد جميع الشواهد والقرائن التي تنطوي عليها حوادث هذا العالم المترامي الأطراف وظواهره على أنّ ذلك الخلق إنّما يستند إلى قدرة مطلقة ، وهو وحده الذي بيده أزمّة العالم بأسره ، وأمّا القوانين التي تنظم عالم الوجود وتشكل محوره الرئيسي فهي على درجة من الدقة والنظم والأسرار العميقة بحيث يحتاج زعماء الفكر والعلماء إلى سنوات مديدة لسبر أغوارها والوقوف على جانب من جوانبها ، وكلما ازداد العلم البشري وتمكن من كشف بعض أسرار هذا العالم الواسع ، تعرّف الإنسان على مصدر هذا العالم أكثر وتحوّل هذه العلم إلى قبس من نور الإيمان يتخلل القلوب . إنّهم آمنوا بأنّ العقيدة الراسخة والإيمان المحكم الناشئ من تتبع لطائف هذا العالم الضخم وأسراره المذهلة إنّما يملأ القلوب بالعشق والنشاط والحيوية ، العشق المرهف للمُبدىء العظيم الخالق الأصلي لهذا العالم الواسع .